الخميس، 11 يوليو 2019

نسمه هادي/////

من ذاكرة الأيام العصيبة.       بقلمي

بعد سنين من آخر لقاء بيننا كانت من بين نساء الحي اللواتي حضرن لتعزيتنا في وفاة أبن عم لي، بعد تبادل عبارات التعزية المعروفة
جلست بجانبي مكررة سلامها وسؤالها عن احوالي واولادي وكيف تمر الحياة بي، ثم بعد لحظة قامت بدس مبلغ من المال في يدي وعلى مشهد من جميع الحاضرات، وهي تهمس لي خذي هذا المبلغ وابرأي ذمتي، نظرت لها وأنا اعود بذاكرتي لاول لقاء بيننا حين زارتني أول مرة وعرفتني بنفسها وسألتني من أين أحضر لأولادي هذه الملابس الجميلة فنحن في زمن حصار ، أجبتها ببساطة أنا اخيطها من ملابسي القديمة مع اضافة بعض اللمسات فتغدو كما ترينها،
-هل تخيطين لي ؟
- لا مانع عندي فأنا امتهن الخياطة .
فصارت تحضر  لي ملابسها القديمة وأقوم  بأعادة خياطتها قمصاناً وثياباً لأولادها وبناتها، كانت تبدي انبهارها بما أعمله، وتكرر قولها كيف   أعدت الحياة فيها لقد غيرتها تماما،ولكنها ورغم  يسر حالها تصر أن لاتعطيني أجرتي المتفق عليها بحجة أن القماش  قديم ولا يستحق أن تدفع به المبلغ التي أطلبه،   ولم تنجح  محاولاتي لإقناعها أن خياطة ملابس جديدة من القديم أصعب من خياطة فستان جديد ،  ذات يوم أحضرت لي فستانا ثميناً  أسود اللون ، و قطعتين من ملابسها القديمة
سألتني:- هل يمكن عمل مثل هذا الفستان منهما ؟
-هل هو فستانك؟
 - نعم ، خيطته لي فلانة،
  - ولمَ لم تحضريه لي ؟
 - قماشه غالي وهي خياطة معروفة ، وسيظنون أنه قديم فأنت كما يعرف الجميع تخيطين فقط الأقمشة القديمة، أزعجني كلامها -أنت فقط تحضرين لي ملابسك القديمة،
 وفيما كنت اتأمل فصال الثوب واستمع إلى إلحاحها إن كنت قادرة على عمل مثله وجدت عيوبا واضحة في تفصيل وخياطة الفستان
فقلت :-تريدين  مثله بالضبط ؟
- نعم ،نعم
-حتى هذه العيوب؟
- لا طبعا ، وأريد منك أن تنجزيه بسرعة لأنني سأحضر فيه خطبة ابن أخي.
وعدتها أنني سأنجزه بعد إسبوع و شارطتها أن تدفع لي ذات أجرة الفستان الذي خيطته عند الأخرى فوافقت.
بعد إسبوع حضرت ومعها جارتها ، وعندما أعطيتها الفستان أبدت انبهارها فيه وكذلك فعلت جارتها التي تساءلت بإعجاب كيف أعدتِ الحياة في ثوبين قديمين هكذا؟
- كل شيء يتجدد إن أضفنا بعض اللمسات، رددت عليها،
 فأخرجت من تحت عباءتها كيسا كبيرا
- هذه  ملابسي  القديمة أريدك أن تعملي منها مفرشا للسرير
فوجئت بملابس متسخة وبعضها مهترئ
 فقلت :- هلا قمت بغسلها على الأقل فأنا لست متفرغة لأقوم بغسلها عندي بيت أديره أيضاً.
 - خيطيها فقط وانا اغسلها لاحقا، اعتذرت منها .
- لن ألمس قماشا متسخا اخشى أن تصيب اولادي الأمراض، تغير وجه زبونتي
 وقالت:- ولخاطري؟
- آسفة، تغسلها وتكويها وانا حاضرة ، نهضتا مغادرتين منزلي
ولكنها  التفتت لي ونقدتني مبلغا في يدي مغلقة كفي بقوة كأنها لاتريدني أن أرى كم أعطتني
قلت لها :- لحظة، قمت بِعَدّ النقود وجدتها أقل من ربع المبلغ الذي اتفقت معها عليه
- ماهذا ؟
ردت ضاحكة :- لا تنسي أن القماش قديم ، رغم غضبي لكني تمالكت نفسي  وأعدت المبلغ لها.
 وقلت :-  اعتبري ثمن الخياطة هدية مني أما أجرتي التي أستحق أو لا .
- لقد طردتنا من بيتك اليوم مرتين،  وأعادت النقود لحقيبتها،  لم ارد عليها،
اليوم وجدت الجرأة لأرد عليها بقولي:- يااااااه بعد عشرون عاما تذكرتي أنك مدينة لي بخياطة فستان؟؛
خذي مالك أنت بريئة الذمة.
ن. هادي 2019.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق